السيد محمد هادي الميلاني

79

تفسير سورتي الجمعه والتغابن

الأوّل : أنّ يوبخ الشخص بفعله القبيح من دون ذكر برهان قبحه ، كأن يقول مثلًا : تسجد لغير اللَّه تعالى ، أو تعبد الأوثان ، أولا تؤمن بالمبعوث من قبل اللَّه ، وأمثالها ، ممّا يوبخ المخاطب من دون برهان قبحه . والثّاني : التوبيخ مع ذكر البرهان وإقامة الحجّة على قبحه ، كقولك للمريض : أما رأيت فلاناً لم يعمل بقول الطبيب فهلك ، أو مثلك مثل فلان الذي لم يعمل بعلمه فاخترم . فبرهان القبح فيهما الهلاك والإخترام المذكوران في الكلام ، ومعلوم أنّ الأسلوب الثاني أحسن وأبلغ ، والآية منه ، لأنّها - كما قيل - توبيخ للنصارى الذين لم يؤمنوا بمحمّد صلّى اللَّه عليه وآله ، فكأنّه يخاطبهم ويقول : أما رأيتم اليهود الّذين لم يعملوا بما اشتملت عليه التوراة من لزوم اتباع عيسى وإطاعة أوامره ونواهيه ، وهلكوا باعتقادكم بسبب عدم اتباعه ، فأنتم إن لم تؤمنوا بمحمّد صلّى اللَّه عليه وآله مَعَ اشتمال كتابكم على لزوم اتّباعه ، كنتم مثلهم في الهلاك . وبهذا ، لا ينافي كونها توبيخاً لليهود الحاضرين أيضاً ، بل التوبيخ لليهود أقوى من التوبيخ للنّصارى ، لظهور أنّ المشبّه به أقوى من المشبّه في وجه الشّبه ، إلّافي التشبيه المقلوب وهذا ليس منه ، فتدبّر .